أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

340

العقد الفريد

فقال : يا جرير ، واللّه لقد وليت هذا الأمر وما أملك إلا ثلاثمائة ، فمائة أخذها عبد اللّه ، ومائة أخذتها أمر عبد اللّه ، يا غلام أعطه المائة الباقية . فقال : واللّه يا أمير المؤمنين ، إنها لأحبّ مال إليّ كسبته . ثم خرج ، فقالوا له : ما وراءك ؟ قال ما يسوؤكم ! خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع . الشعراء ، وإني عنه لراض . ثم أنشأ يقول : رأيت رقى الشيطان لا تستفزّه * وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا « 1 » وفود نابغة بني جعدة على ابن الزبير رحمه اللّه تعالى الزبير بن بكار قاضي الحرمين ، قال : أقحمت السّنة نابغة بني جعدة ، فوفد إلى ابن الزّبير ، فدخل عليه في المسجد الحرام ، ثم أنشده : حكيت لنا الصّدّيق لمّا وليتنا * وعثمان والفاروق فارتاح معدم وسوّيت بين الناس في الحقّ فاستووا * فعاد صباحا حالك اللّون مظلم أتاك أبو ليلى يجوب به الدّجى * دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم « 2 » لتجبر منه جانبا زعزعت به * صروف الليالي والزّمان المصمّم فقال له ابن الزبير : هوّن عليك أبا ليلى ، فالشعر أدنى وسائلك عندنا ؛ أما صفوة أموالنا فلآل الزبير ، وأما عفوته « 3 » فإن بني أسد وتيما تشغلها عنك ، ولكن لك في مال اللّه سهمان : سهم برؤيتك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسهم بشركتك المسلمين في فيئهم . ثم أخذ بيده ودخل به دار النّعم ، فأعطاه قلائص سبعا ، وجملا رحيلا ، وأوقر « 4 » له

--> ( 1 ) الرّقي : كناية عن الشعر ، أي كا ينظمه الشعراء من أجل حث الممدوح على العطاء ، والرّقي : جمع رقية . ( 2 ) العتمتم : الجمل الشديد . ( 3 ) عفوة المال : خياره وما صفا منه وكثر . ( 4 ) أوقر : حمّل وملأ .